الذهبي

272

سير أعلام النبلاء

المعتز ، فقال : السلام عليكم ، وجلس ، ولم يسلم عليه بالامرة . فسمعت أبا عبد الله بعد يقول : لما دخلت عليه ، وجلست ، قال مؤدبه : أصلح الله الأمير ، هذا هو الذي أمره أمير المؤمنين يؤدبك ويعلمك ؟ فقال الصبي : إن علمني شيئا ، تعلمته ! قال أبو عبد الله : فعجبت من ذكائه وجوابه على صغره ، وكان صغيرا . ودامت علة أبي عبد الله ، وبلغ المتوكل ما هو فيه ، وكلمه يحيى بن خاقان أيضا ، وأخبره أنه رجل لا يريد الدنيا ، فأذن له في الانصراف . فجاء عبيد الله ( بن يحيى ) ( 1 ) وقت العصر ، فقال : إن أمير المؤمنين قد أذن لك ، وأمر أن يفرش لك حراقة ( 2 ) تنحدر فيها . فقال أبو عبد الله : اطلبوا لي زورقا أنحدر الساعة . فطلبوا له زورقا ، فانحدر لوقته . قال حنبل : فما علمنا بقدومه حتى قيل : إنه قد وافى ، فاستقبلته بناحية القطيعة . وقد خرج من الزورق ، فمشيت معه ، فقال لي : تقدم لا يراك الناس فيعرفوني ، فتقدمته . قال : فلما وصل ( 3 ) ، ألقى نفسه على قفاه من التعب والعياء . وكان ربما استعار الشئ من منزلنا ومنزل ولده ، فلما صار إلينا من مال السلطان ما صار ، امتنع من ذلك حتى لقد وصف له في علته قرعة تشوى ، فشويت في تنور صالح ، فعلم ، فلم يستعملها ( 4 ) . ومثل هذا كثير .

--> ( 1 ) ما بين حاصرتين من " تاريخ الاسلام " . ( 2 ) بفتح الحاء وتشديد الراء : السفينة الخفيفة ، وكانت هذه السفن بالبصرة . ( 3 ) في " تاريخ الاسلام " : " فلما دخل " . ( 4 ) الخبر في " تاريخ الاسلام " ص 112 ، 113 وعبارته : " . . . قرعة تشوى ، ويؤخذ ماؤها . فلما جاؤوا بالقرعة ، قال بعض من حضر : اجعلوها في تنور ، يعني في دار صالح ، فإنهم قد خبزوا . فقال بيده : لا . ومثل هذا كثير " .